في عالم السياسة، هناك قاعدة قديمة تقول: "إذا عرض عليك شخص ما حماية مجانيّة، فتأكد أولاً أنه ليس هو من يطلق النار عليك". هذه القاعدة البسيطة تبدو غائبة تماماً عن رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​، الذي خرج في الأيام الماضية بتصريح يثير السخرية بقدر ما يثير الغضب، زاعماً فيه أن "بعض القرى المسيحيّة في جنوب ​لبنان​ طلبت الانضمام إلى إسرائيل"، وأن "المسيحيين في لبنان ليسوا وحدهم من يطلبون حمايتنا، بل أيضاً الدروز، والمسلمون السنة، وحتى بعض الشيعة".

هذا التصريح، الذي تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية على نطاق واسع، لم يأتِ من فراغ، بل هو جزء من حملة ممنهجة تهدف إلى تفتيت النسيج الاجتماعي اللبناني، وبث الفتنة بين أبنائه. لكن قبل أن ننجرّ وراء هذه الرواية، دعونا نتوقف ونطرح السؤال البسيط الذي يتجاهله نتنياهو: كيف يستطيع رجل يقدم "الحماية" للمسيحيين في لبنان، بينما هو يعجز عن حمايتهم في "الأراضي المقدسة" التي يسيطر عليها؟

قاذفات القنابل تتحدث عن السلام

في الوقت الذي كان نتنياهو يلقي بتصريحاته عن "حماية الأقليات"، كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية-الأميركية الصنع تمطر القرى والبلدات اللبنانية بالقنابل، مخلّفة مئات الشهداء ومئات الجرحى من المدنيين الأبرياء. كيف يمكن لأيّ عاقل أن يصدق أنّ اليد التي تهدم البيوت على رؤوس سكانها هي نفسها اليد التي ستمتد لحمايتهم؟

إن هذا التناقض ليس مجرد ازدواجيّة في المعايير، بل هو سياسة مكشوفة تهدف إلى خلق واقع جديد على الأرض، حيث يتم تقديم الاحتلال باسم "الحماية"، وتُعاد صياغة العدوان بلغة "الإنقاذ". لكن اللبنانيين، الذين ذاقوا ويلات ​الاحتلال الإسرائيلي​ في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، يدركون جيداً أن جيش هذا البلد لم يرحم في تلك الحقبة لا مسجداً ولا كنيسة ولا ديراً، بل عمد إلى تدميرها بشكل منهجي دون أي مبرر عسكري أو إنساني.

"الأراضي المقدسة" لا حماية ولا أمان

لننتقل الآن إلى المكان الذي يسيطر فيه نتنياهو فعلياً على مقاليد الأمور: "الأراضي المقدّسة". هناك، حيث يفترض أن تكون الدولة اليهوديّة "ملاذاً آمناً" لجميع أتباع الأديان، تكشف الوقائع عن صورة مختلفة تماماً.

ففي تقرير نشرته صحيفة "​واشنطن بوست​" قبل أيام قليلة، وثّقت الصحيفة تصاعداً مروعاً في الاعتداءات التي يرتكبها متطرفون يهود ضد المسيحيين في ​القدس​ و​الضفة الغربية​.

التقرير، الذي حمل عنوان "عبر إسرائيل، يستهدف المسيحيون موجة من العداء والعنف"، رصد حالات متعددة من الاعتداءات الجسدية واللفظية، شملت ضرباً مبرحاً وبصقاً ومضايقات مستمرة .

ولم تكن الحوادث معزولة. ففي أحد أقدم المواقع الدينية للمسيحية في القدس، حيث الغرفة التي تناول فيها السيد المسيح تناول العشاء الأخير مع تلاميذه، حصلت حادثة اعتداء وحشيّة على راهبة، حيث قام مستوطن يهودي متطرف بدفعها بقوة على الأرض.

كاميرات المراقبة وثقت الحادثة، وانتشر مقطع الفيديو على نطاق واسع، لكن ذلك لم يردع المتطرفين، بل شجّعهم على المزيد.

وفي إحصائية صادمة، وثقت منظمات حقوقية 61 اعتداءً جسدياً ضد المسيحيين في القدس وحدها خلال عام 2025. هذه ليست حوادث فردية، بل هي نمط سلوكي ممنهج، تتغاضى عنه السلطات الإسرائيليّة، بل وتشجعه بشكل غير مباشر من خلال الخطاب التحريضي الذي يروج له بعض الوزراء المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية.

فكيف يستطيع نتنياهو أن يقدم "الحماية" للمسيحيين في لبنان، بينما هو يعجز عن حمايتهم في القدس، حيث تقع أهم مقدّساتهم؟ وكيف يجرؤ بالحديث عن "التسامح الديني"، بينما متطرفون يهود يعتدون على رجال دين وراهبات في وضح النهار، دون أن تحرك الحكومة الإسرائيلية ساكناً؟

الأصدقاء أعداء أيضًا

لكن التناقض لا يتوقف عند هذا الحد. فالذي لا يرحم أعداءه، لا يرحم أيضاً أصدقاءه. وفي تاريخ العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، هناك حادثة واحدة تكفي لتلخّص هذه الحقيقة: حادثة السفينة الحربية الأميركية "يو إس إس ليبرتي" في 8 حزيران 1967.

في ذلك اليوم، وخلال حرب الأيام الستة، شنت القوات الإسرائيلية هجوماً وحشيًّا على السفينة الأميركية، التي كانت تقوم بمهام استخباراتيّة في المياه الدوليّة قبالة سواحل سيناء. الهجوم، الذي استمر نحو ساعة من الزمن، أسفر عن إحداث 821 ثقباً في هيكل السفينة، بما في ذلك ثقب ضخم يبلغ طوله 40 قدماً .

وأسفر الهجوم عن مقتل 34 فرداً من طاقم السفينة، وجرح 171 آخرين، أي ما يعادل ثلثي الطاقم، في أعنف هجوم على سفينة أميركية منذ الحرب العالمية الثانية

الكاتب الأميركي "بريم ثاكر" (Prem Thakker)، الذي وثّق تفاصيل هذه الحادثة في تقاريره، وصف الهجوم بأنه كان متعمداً ومنظّمًا، وأن الطيارين الإسرائيليين كانوا يدركون تماماً أنهم يستهدفون سفينة أميركية.

أما الناجي من الهجوم، "موريس شافر(Morris Schaffer)"، الذي كان يعمل فني اتصالات ومشغّل شيفرة مورس على متن السفينة، فقد أدلى بشهادة مؤثّرة قبل نحو 20 عاماً، كشف فيها أنهم "تلقوا تعليمات بعدم الحديث عن الهجوم، أو مواجهة مشكلات كبيرة".

هذه الشهادات تكشف ليس فقط عن وحشية الهجوم، بل أيضاً عن محاولة التستر على الحقيقة، والضغط على الناجين للصمت.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت إسرائيل قادرة على قتل 34 بحارًا أميركيًّا وجرح 171 آخرين، ثم الادعاء لاحقًا أن الهجوم كان "خطأً"، فكيف يمكن لأيّ دولة أن تثق بوعودها أو ضماناتها؟

"اكذب ثم اكذب" لتفرّق وتُشرذم

بالعودة إلى تصريحات نتنياهو حول "طلب الحماية" من قبل بعض الطوائف اللبنانية، نجد أنفسنا أمام تطبيق كلاسيكي لمبدأ "اكذب ثم اكذب، حتى يصدقك الناس". فالهدف من هذه التصريحات ليس إقناع اللبنانيين، بل بثّ الشك والفتنة بينهم، وإضعاف التماسك الداخلي للمجتمع اللبناني.

إن هذه السياسة ليست جديدة عليه. فهو يدرك جيداً أن المجتمع اللبناني، بتركيبته الطائفية المتنوعة، هو هدف سهل لهكذا محاولات. لكن ما يغفله نتنياهو هو أن اللبنانيين، بمختلف طوائفهم، عاشوا معاً لقرون، وأنهم يدركون جيداً أن أي محاولة لتقسيمهم ستؤدّي إلى كارثة على الجميع.

كما أن الادعاء بأن "بعض القرى طلبت الانضمام إلى إسرائيل" هو ادعاء لا أساس له من الصحّة. فقد سارعت قيادات مسيحية لبنانيّة إلى نفي هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أن "المسيحيين في لبنان لم يطلبوا الحماية، وأنهم لم يكونوا يوماً في حاجة إلى حماية من يحتل أراضيهم".

من يزرع الريح يحصد الإعصار

في النهاية، علينا أن نطرح السؤال الجوهري: هل يمكن أن يأتي سلام أو حماية ممّن يقتل أصدقاءه قبل أعدائه؟

الجواب، بطبيعة الحال، هو "لا". فالذي لا يستطيع حماية المسيحيين في "الأراضي المقدسة" التي يسيطر عليها، لن يستطيع حمايتهم في لبنان. والذي يهاجم سفينة حليفة له في وضح النهار، ثم يدّعي أن الهجوم كان "خطأً"، لا يمكن أن يُؤتمن على سلام أو حماية.

إن تصريحات نتنياهو حول "حماية الأقليّات" في لبنان ليست سوى محاولة يائسة لتبييض صورة الاحتلال، وإضفاء الشرعية على العدوان. لكنّها محاولة محكوم عليها بالفشل، لأنّ اللبنانيين، بمختلف طوائفهم، يدركون جيداً أنّ "الحماية" الحقيقيّة لا تأتي من فوهة بندقيّة، بل من احترام السيادة وحق تقرير المصير.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه نتنياهو عن "الحماية"، فإن الواقع على الأرض يقول شيئاً مختلفاً تماماً: قنابل تسقط على القرى اللبنانيّة، وكنائس ومساجد تُهدم، ومدنيون يُقتلون. وهذا هو الوجه الحقيقي لـ"الحماية" التي يتحدّث عنها نتنياهو: حماية بالسلاح، ودمار شامل، وتفتيت للمجتمعات.

فلتبقَ تصريحات نتنياهو إذن مجرد كلمات تُكتب بحروف مخفيّة، وبنّيات خبيثة مبيّتة. فاللبنانيون، الذين ذاقوا ويلات الاحتلال، لن ينساقوا وراء أوهام "الحماية" التي يقدّمها من لا يملكها أصلاً.